بعد دخوله حيز التنفيذ.. قانون المحاماة يضع المهنيين أمام اختبار احترام القانون
لم يعد الجدل حول القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مرتبطا بمرحلة التشريع والمصادقة، بعدما دخل النص حيز التنفيذ رسميا عقب نشره في الجريدة الرسمية، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: كيف سيتعامل المحامون مع قانون أصبح ملزما، مع استمرار الاعتراض على عدد من مقتضياته؟
فمع دخول القانون حيز التنفيذ ابتداء من 20 غشت الجاري، برزت داخل صفوف المحامين أصوات تدعو إلى تجاوز منطق رفض تطبيق النص، والانتقال إلى الدفاع عن المطالب المهنية من داخل المؤسسات والمساطر التي يتيحها القانون، دون إسقاط حق أصحاب المهنة في المطالبة بتعديل المقتضيات التي يعتبرونها مسيئة لاستقلالية المحاماة أو لحقوق الدفاع.
وفي هذا السياق، اعتبر المحامي بهيئة أكادير والعيون وكلميم محمد أوماست أن نشر القانون في الجريدة الرسمية يجعله إطارا قانونيا واجب التطبيق على المحامين، مع استمرار إمكانية الطعن في بعض مقتضياته أو المطالبة بتعديلها بالوسائل القانونية المتاحة.
وأوضح أوماست أن المقتضيات المتعلقة بانتخاب الأجهزة وامتحان الأهلية، الواردة في الفصل 146، تخضع لوضعية خاصة إلى حين الشروع في عمل المعهد، داعيا إلى قراءة النص كما هو، بعيدا عن الحسابات السياسية أو المواقف المسبقة.
وبالنسبة إلى عدد من المهنيين، فإن دخول القانون مرحلة التنفيذ يفرض الفصل بين أمرين: احترام النصوص القانونية النافذة من جهة، ومواصلة النقاش حول مضامينها من جهة ثانية. فرفض مقتضى تشريعي يمكن أن يتم عبر القنوات القانونية والمؤسساتية، لكن ذلك لا يعني تعليق العمل بقانون صدر وفق المسار الدستوري ونشر رسميا.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن القانون مر بمختلف مراحل المسطرة التشريعية، من الحكومة والبرلمان والمحكمة الدستورية، وصولا إلى إصدار الأمر بتنفيذه ونشره في الجريدة الرسمية، الأمر الذي ينقله من دائرة مشاريع القوانين موضوع النقاش إلى نص نافذ يتعين التعامل معه على هذا الأساس.
وفي الاتجاه نفسه، شددت المحامية بهيئة الدار البيضاء كوثر جلال على أهمية استمرار المحامين في ممارسة مهامهم تجاه موكليهم، مؤكدة أنها لم تتوقف عن العمل أو عن متابعة الملفات والإجراءات، انطلاقا من مسؤوليتها المهنية تجاه الأشخاص الذين عهدوا إليها بالدفاع عن مصالحهم.
ونبهت جلال إلى أن أي توقف عن العمل لا يؤدي، في حد ذاته، إلى وقف الآجال والإجراءات القضائية، ما يجعل المحامي مطالبا باستحضار آثار أي قرار مهني على مصالح موكليه، خصوصا عندما يتعلق الأمر بآجال قانونية قد يؤدي فواتها إلى أضرار يصعب تداركها.
كما فتحت المحامية النقاش على ملفات أخرى لا تقل أهمية بالنسبة إلى مستقبل المهنة، وفي مقدمتها الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتقاعد والحكامة والشفافية، معتبرة أن النقاش المهني لا ينبغي أن يختزل في القانون الجديد وحده أو في خيار التوقف عن العمل.
أما المحامية بهيئة الدار البيضاء فاطمة الزهراء الإبراهيمي، فاختارت التركيز على مسألة الاختلاف داخل الجسم المهني، معتبرة أن وحدة الصف لا ينبغي أن تتحول إلى إلغاء للتفكير أو فرض لموقف موحد على جميع المحامين.
وشددت على أن الاختلاف في الرأي داخل المهنة لا يعني بالضرورة الخروج عن الجماعة المهنية، داعية إلى إعادة الاعتبار للحوار القانوني الهادئ بدل التشنج والاصطفاف، خصوصا في مرحلة دقيقة تتطلب، بحسبها، نقاشا يستند إلى الحجة والقانون.
وفي السياق ذاته، أكد المحامي محمد الهيني أن إصدار الأمر بتنفيذ قانون تنظيم مهنة المحاماة ونشره في الجريدة الرسمية يعني دخوله حيز النفاذ، وبالتالي يصبح الامتثال لمقتضياته واجبا، معتبرا أن المحامي، باعتباره رجل قانون، لا يمكنه أن يجعل من رفض النص وسيلة لتعليق سريانه.
غير أن هذا الموقف لا يعني، وفق الهيني، إسقاط حق المحامين في النضال من أجل تعديل القانون أو مراجعة مقتضياته، إذ يمكن ممارسة هذا الحق عبر المساطر القانونية والمؤسساتية، بدل رفض تطبيق نص أصبح نافذا.
وهكذا، يبدو أن أزمة قانون المحاماة تدخل مرحلة مختلفة عن تلك التي رافقت مساره التشريعي؛ مرحلة لم يعد فيها السؤال منصبا فقط على رفض مقتضيات القانون أو قبولها، وإنما على كيفية الجمع بين الامتثال لنص نافذ، والاستمرار في الدفاع عن استقلالية المهنة وحقوق الدفاع والمطالب المهنية عبر القنوات القانونية.
وبينما يستمر النقاش داخل الهيئات المهنية بشأن عدد من مقتضيات القانون الجديد، تبرز أمام المحامين مسؤولية مزدوجة: حماية مصالح موكليهم وضمان السير العادي للملفات القضائية، مع مواصلة المطالبة بتعديل ما يعتبرونه غير منسجم مع تطلعات المهنة..