حين يتحول منتخبو الصحراء إلى مادة دسمة للابتزاز الرقمي.. هل أصبحت المواقف الصحفية تباع بثمن بخس؟

0 40

الساقية_ترند 

إعلام المحاسبة أم تجارة المواقف؟ سؤال يفرض نفسه بقوة مع تنامي صفحات تتخذ من الشأن السياسي المحلي واجهة لها، بينما تتحول أسماء المنتخبين إلى مادة للاستهداف والتوجيه وسط تساؤلات حول حدود المهنية وأخلاقيات النشر.

 

لم يعد المشهد الإعلامي الرقمي بالأقاليم الجنوبية بمنأى عن ممارسات تثير الكثير من علامات الاستفهام، في ظل تنامي ظاهرة صفحات تقدم نفسها باعتبارها منابر إعلامية، وتخوض في الشأن السياسي المحلي، وتصدر الأحكام بشأن المنتخبين وتدبيرهم للشأن العام، دون أن يكون كل ما تنشره بالضرورة قائماً على التحليل الرصين أو المعطيات الموثوقة أو الفهم العميق لتوازنات المشهد السياسي.

 

وفي قلب هذا المشهد، يجد عدد من المنتخبين بالصحراء أنفسهم أمام واقع تتداخل فيه المحاسبة المشروعة مع حملات الاستهداف الرقمي، ويختلط فيه النقد المبني على الوقائع بمنشورات تثير الشكوك حول أهدافها وخلفياتها، خصوصاً عندما يصبح اسم المنتخب وصورته ومواقفه مادة متكررة للتداول، في سياق يوحي أحياناً بأن الغاية تتجاوز تنوير الرأي العام إلى ممارسة الضغط أو تصفية الحسابات.

 

حين يصبح المنتخب سلعة في سوق الصفحات

 

ليس من حق أي منتخب أن يطالب بحصانة إعلامية، كما لا يمكن لأي مسؤول عمومي أن يضع نفسه فوق النقد والمساءلة. فالمنتخبون، سواء تعلق الأمر بالبرلمانيين أو رؤساء الجماعات الترابية أو أعضاء المجالس الإقليمية والجهوية، يتحملون مسؤولية تدبير الشأن العام، ومن حق المواطنين والإعلام مساءلتهم عن حصيلتهم ومواقفهم ووعودهم ومدى استجابتهم لانتظارات الساكنة.

 

لكن الإشكال يبدأ عندما يفقد النقد معاييره المهنية، ويتحول إلى استهداف انتقائي، تُسلط فيه الأضواء على منتخب دون آخر، وتُضخم أخطاء طرف بينما يتم التغاضي عن اختلالات طرف آخر، دون تفسير موضوعي لهذا التباين. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يتعلق الأمر بممارسة إعلامية مستقلة، أم بمنطق المصالح الذي يجعل بعض المواقف قابلة للتبدل بحسب طبيعة العلاقات والمنافع؟

 

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الممارسة الإعلامية هو أن تتحول إلى سوق للمواقف، يصبح فيها المنتخب مادة دسمة لجلب التفاعلات، أو وسيلة للضغط، أو موضوعاً لحملات متكررة قد تتجاوز النقد إلى التشهير، بينما يظل المواطن الغائب الأكبر عن نقاش يفترض أن يكون جوهره الدفاع عن مصالحه وحقوقه.

 

صفحات تتحدث باسم الصحافة دون أن تقدم أدواتها

 

ومن بين الإشكالات التي تستحق النقاش، الخلط المتزايد بين امتلاك صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي وممارسة الصحافة بمفهومها المهني. فليس كل من نشر خبراً أصبح صحفياً، وليس كل من جمع آلاف المتابعين يمتلك بالضرورة أدوات التحليل السياسي أو القدرة على تفكيك القرارات وفهم خلفياتها وانعكاساتها على الواقع المحلي.

 

فالصحافة ليست مجرد صور للمنتخبين، ولا تدوينات غاضبة، ولا عناوين مثيرة تُطلق الأحكام دون تقديم الأدلة. إنها ممارسة تقوم على التحقق من المعلومات، وفصل الخبر عن الرأي، والاستماع إلى مختلف الأطراف، واحترام حق الرد، والقدرة على مساءلة المسؤولين بالحجة والوثيقة، لا بالتلميح والضغط.

 

ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول هذا النقاش إلى حكم جماعي على أصحاب الصفحات الرقمية، إذ يمكن لهذه المنصات أن تؤدي دوراً إيجابياً في كشف الاختلالات وتوسيع النقاش العمومي. لكن هذا الدور يظل رهيناً بمدى الالتزام بالمهنية والشفافية، وليس بمجرد إطلاق صفة إعلامية على الحساب أو الصفحة.

 

دريهمات معدودة وأسئلة أكبر من حجمها

 

ما يثير القلق في بعض الممارسات المتداولة هو ما يُثار بشأن احتمال توظيف صفحات رقمية في الترويج لأشخاص أو استهداف آخرين مقابل منافع مادية محدودة، بما يحول النشر من ممارسة يفترض أن تخدم الصالح العام إلى نشاط تحكمه حسابات ضيقة.

 

وإذا ثبت أن جهة ما تدفع مقابلاً مالياً لنشر محتوى يستهدف منتخباً أو يوجه الرأي العام ضده، أو أن صاحب صفحة يستخدم التهديد بالنشر للحصول على منفعة، فإن الأمر يستوجب التعامل معه بجدية، وفق الأدلة والضوابط القانونية المعمول بها.

 

لكن الاتهام بالابتزاز أو تلقي الأموال مقابل التشهير لا يجوز أن يُطلق جزافاً، كما أن الاختلاف السياسي أو النقد الحاد لا يشكلان في حد ذاتهما دليلاً على وجود صفقة أو مقابل مالي. فالمطلوب هو كشف الوقائع والتحقق منها، لا استبدال غياب المهنية بحملات اتهام مضادة.

 

ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعاً: ما الذي يحدث عندما يصبح النشر أداة ضغط، وتتحول الصورة والتدوينة والعنوان إلى وسائل للمساومة بدل أن تكون أدوات للإخبار والمساءلة؟ ومن يحمي النقاش العمومي من الانزلاق إلى ممارسات تسيء إلى الصحافة والمنتخبين والمواطنين على حد سواء؟

 

منتخبو الصحراء ليسوا فوق النقد.. لكنهم ليسوا أهدافاً مباحة

 

في الأقاليم الجنوبية، حيث تتشابك العلاقات الاجتماعية والسياسية والاعتبارات المحلية، تكتسي الكلمة المنشورة تأثيراً يتجاوز أحياناً حدود التفاعل الافتراضي. فقد تنعكس بعض المنشورات على صورة الأشخاص وعلاقاتهم ومكانتهم داخل محيطهم، وهو ما يفرض على كل من يتناول الشأن العام قدراً أكبر من المسؤولية والدقة.

 

ولا يعني ذلك توفير الحماية للمنتخبين من النقد، بل العكس تماماً. فالمساءلة الحقيقية تبدأ من طرح الأسئلة الصعبة بشأن البطالة، وفرص الشغل، والخدمات الصحية والتعليمية، والبنيات التحتية، والصفقات العمومية، وتدبير الميزانيات، ومدى الوفاء بالوعود الانتخابية.

 

هذه هي الملفات التي ينبغي أن تستأثر بالاهتمام، لا تحويل الخلافات الشخصية والسياسية إلى مادة يومية للاستهلاك الرقمي، ولا اختزال تقييم المنتخب في عدد المنشورات المؤيدة له أو المعادية له.

 

فالمنتخب الذي أخفق يجب أن يُواجه بحصيلته، والذي وعد ولم يفِ بالتزاماته يجب أن يُسأل عن أسباب ذلك، والذي تحوم حول تدبيره شبهات تستوجب البحث يجب أن تُعرض الوقائع المتعلقة بها بمسؤولية وموضوعية. وفي المقابل، لا يجوز استهداف أي منتخب لمجرد اختلاف المصالح أو المواقف، أو استعمال المنابر الرقمية لتصفية حسابات لا علاقة لها بحق المواطنين في المعرفة.

 

الإعلام الحقيقي لا يساوم على الحقيقة

 

إن الرهان اليوم في مدن الصحراء ليس إسكات الصفحات الناقدة، ولا تلميع صورة المنتخبين، ولا منح صكوك البراءة لأي طرف، وإنما ترسيخ إعلام مستقل يراقب السلطة المنتخبة، ويفتح الملفات التي تهم المواطن، ويكشف الاختلالات بالحجة والدليل، دون أن يتحول إلى طرف في صراعات المصالح.

 

كما أن المسؤولية لا تقع على أصحاب الصفحات وحدهم، بل تشمل أيضاً المنتخبين الذين يتعين عليهم تقبل النقد والرد على الأسئلة المشروعة، وتقديم المعطيات التي تتيح للرأي العام تقييم أدائهم. فإغلاق أبواب التواصل أو التعامل مع كل انتقاد باعتباره استهدافاً لن يؤدي إلا إلى توسيع الهوة بين المؤسسات والمواطنين.

 

وفي المقابل، فإن احترام حرية التعبير لا يعني التساهل مع التشهير أو التهديد أو الابتزاز متى ثبتت عناصرها، كما أن غياب بطاقة صحفية أو الانتماء إلى مؤسسة إعلامية لا ينبغي أن يكون وحده معيار الحكم على جودة المحتوى؛ فالمعيار الأساس هو صدقية المعلومة، واحترام أخلاقيات النشر، والالتزام بالقانون.

 

إن المشهد الإعلامي بالأقاليم الجنوبية يحتاج إلى وقفة جادة تعيد الاعتبار للكلمة المسؤولة، وتضع حداً للخلط بين الصحافة والترويج، وبين النقد والضغط، وبين حرية التعبير واستعمال المنصات الرقمية لتحقيق مصالح خاصة.

 

الخلاصة أن المنتخب ليس ملكاً للصفحات، والصحافة ليست أداة لتصفية الحسابات، والحقيقة ليست سلعة تخضع للمساومة. ومن حق المواطن في الصحراء أن يعرف من يراقب أداء منتخبيه بموضوعية، ومن يقدم له معلومة موثقة، ومن يخلط بين الخبر والموقف والمصلحة.

 

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بقوة: هل نحن أمام ممارسة إعلامية تجعل من محاسبة المنتخبين وسيلة للدفاع عن المصلحة العامة، أم أمام بعض الممارسات التي تهدد بتحويل السياسة إلى سوق، والصفحات الرقمية إلى منصات للمساومة، وثقة المواطن إلى الضحية الأولى؟

Leave A Reply

Your email address will not be published.