قراءة تحليلية لمضامين و أبعاد الخطاب الملكي السامي لعيد العرش 2026

0 14

الساقية ترند 

المغرب

الدكتور الغالي الغيلاني رئيس المركز الدبلوماسي الدولي

أستاذ جامعي بكلية العلوم القانونية و السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش و جامعة الأمم المتحدة للسلم بافريقيا – فرع دكار

يمثل خطاب عيد العرش لهذا العام، الذي يصادف الذكرى السابعة والعشرين لتربع الملك محمد السادس على العرش، محطة تأسيسية و لحضة استشراف افاق و مستقبل المغرب الصاعد ، إذ يتجاوز كونه عرضاً تقليدياً سنويا للإنجازات و المكتسبات ، ليصوغ رؤية استراتيجية متعددة الابعاد لمرحلة جديدة، ترتكز على استثمار الأمن و الأستقرار السياسي و المؤسساتي كرأسمال استراتيجي لضخ زخم جديد في مسار التنمية وترسيخ السيادة الوطنية بمفهومها الشامل التي يتجاوز المفهوم التقليدي للسيادة الترابية ليشمل السيادة بمفهومها المتعددة الأبعاد في ظل سياق جيو سياسي دولي وإقليمي يتسم بالتحديات و الاضطرابات و التغيرات السريعة.

1 – الانتقال من منطق تحديد الأهداف و تشخيص المكتسبات إلى منطق تعزيز المنجزات و استشراف افاق المستقبل

لقد شكل الخطاب الملكي تحولاً نوعياً في فلسفة الحكم ، حيث ينتقل المغرب من مرحلة وضع الأهداف الكبرى و تشخيص المكتسبات إلى مرحلة تعزيزوتثمين المنجزات المحققة في مختلف القطاعات مع استشراف افاق مستقبل يتطلع اليه المغاربة . وقد عبّر الملك عن هذا المعنى بوضوح عندما أكد أن المكاسب التي تحققت لم تأتِ بمحض المصادفة، بل هي ثمرة رؤية استراتيجية واضحة وتراكم سنوات من العمل تتجاوز نطاق الزمن الحكومي والبرلماني . هذا الطرح يُظهر إرادة ملكية جادة في تجاوز منطق الاستعراض الدوري للإنجازات، نحو جعل هذه المنجزات أساساً لانطلاقة دينامية ثورة تنموية جديدة وقفزة نوعية في مسار المغرب الصاعد .

 

2 – الاستقرار كرأسمال استراتيجي ودعامة للتنمية

في قراءة متعمقة، يظهر الاستقرار السياسي والمؤسساتي والأمني كـرأسمال تراكمي وليس مجرد سياق سياسي ظرفي . وقد تم تسليط الضوء على هذا المفهوم كعامل اقتصادي محفز بامتياز ، فالاستقرار يُقلص مؤشرات المخاطر و الازمات ويجذب الاستثمارات طويلة الأجل ، ويعزز ثقة الشركاء الدوليين، خاصة في ظل سياق إقليمي مطبوع بتقلبات وأزمات متعددة الابعاد .

و في هذا الصدد اظهر المغرب قدرة استتنائية في مجال تدبير الازمات و الكوارت طبيعية مثل تدبير جائحة كورونا، وإدارة تداعيات الفيضانات الأخيرة، ناهيك عن نجاحه في رفع التحديات المتعلقة بتنظيم التظاهرات و الاستحقاقات القارية و الدولية الكبرى، كنموذج حي على قدرة الدولة على تدبير الازمات و امتصاص الصدمات والحفاظ على مسارها التنموي مرتكزة في ذلك على منظومة قيم وطنية عمادها المبادرة و الثقة و التفائل و الروح الإيجابية و النقد الذاتي.

 

3 -أبعاد السيادة الوطنية: تنويع الشركاء وتأمين الاحتياجات الأساسية

على الصعيدين الاقتصادي والدبلوماسي، برز مفهوم السيادة كخيط ناظم للخطاب الملكي السامي . وقد تجلّى ذلك في عدة مستويات:

-السيادة الاقتصادية والصناعية من خلال التركيز على تحقيق الاكتفاء الذاتيفي المنتجات الغذائية والدوائية التي تغطي الآن حوالي 80% من الاحتياجات الوطنية، والدفع نحو إنتاج السلع الحيوية محلياً، خاصة في قطاعات الدفاع والطاقة (الكهرباء، البطاريات، الهيدروجين الأخضر) والصناعات التكنولوجية .

– السيادة المالية التي تتجسد في الدعوة إلى تعبئة المدخرات الوطنية وتنشيط الأسواق المالية و المصرفية و توفير الائتمان للمقاولات الصغرى والمتوسطة التي توفرحوالي 80% من فرص الشغل الرسمية في البلاد بما يساهم في تقليص الاعتماد على التمويل الخارجي في تمويل المشاريع الكبرى و الحد من نسبة البطالة التي وصلت لحدود 13% بحسب الأرقام الرسمية .

-السيادة الدبلوماسية التي تعتمد على نهج تنويع الشركاء الدوليين وبناء شبكة تحالفات متوازنة، بدلاً من الاعتماد على محور واحد، يعكس رؤية لدبلوماسية ملكية استباقية تهدف إلى تأمين المصالح الوطنية وتعزيز مكانة المغرب كفاعل قاري و دولي موثوق به و مؤثر في مجاله الجيو سياسي بفضل ما يملكه من مقومات القوة الناعمة soft power المتعددة الابعاد السياسية و الدبلوماسية و الاقتصادية و الثقافية و الدينية و الأمنية و الطاقية و الرياضية و الاستراتيجية …

4 -البعد الاجتماعي والعدالة المجالية: تحديات المرحلة المقبلة

إلى جانب الطموحات الاقتصادية الكبرى، أولى الخطاب الملكي السامي اهتماماً خاصاً بالبعد الاجتماعي، حيث تم ربط الاستقرار مباشرة بـتحدي تحقيق العدالة بمفهومها الاجتماعي والمجالي و الترابي .وقد تم التركيز على ضرورة إدماج جميع جهات المملكة في الدينامية التنموية، وتقليص الفجوات المجالية بين جهات المملكة من خلال تسريع تنزيل الجيل الجديد من البرامح التنموية المندمجة بعدما اظهر الواقع الملموس ضعف الأثر الاجتماعي المباشر لبرامج التنمية الجهوية خاصة على مستوى تحسين ظروف عيش المواطن و تكريس حقوقه الدستورية في الشغل و الصحة و التعليم و التنمية لاسيما وسط فئة الشباب.

 

5 –رسم حدود فاصلة بين زمن الدولة الاستراتيجي و زمن الحكومة و البرلمان السياسي

 

في سياق سياسي داخلي، حمل الخطاب الملكي السامي مضامين بليغة حول دور و مهام الحكومة المقبلة التي ستتمخض عن نتائج الانتخابات التشريعية القادمة فقد تم التأكيد على أن النتائج المحققة تتجاوز الولايات الحكومية، مما يضع الحكومة الجديدة أمام مسؤولية واضحة ومحددة تتحدد في الحفاظ على المكتسبات، ومواصلة المشاريع الكبرى، وتعميق الإصلاحات وليس الانطلاق في مسار جديد أو مراجعة الخيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة . هذا التحديد يبلور بوضوح تراتبية الأدوار، حيث ييعتبر زمن الدولة و التوجيهات الملكية الاستراتجية الإطار المرجعي الذي تعمل ضمنه الحكومات المتعاقبة بغظ النظر عن لونها السياسي و انتماءها الحزبي .

 

و مسك الختام يقدم خطاب عيد العرش 2026 صورة متعددة الابعاد لمغرب واثق من منجزاته، يسعى إلى ترسيخ مكانته كقوة صاعدة على المستوى الإقليمي والقاري و الدولي و يرسم ملامح المرحلة المقبلة التي تقوم على ربط الاستقرار بالتنمية، والتنمية بالسيادة، والسيادة بالعدالة الاجتماعية .بيد ان نجاح هذا الطموح، كما أشارت الى ذلك العديد من الخطابات الملكية السامية ، يظل رهيناً بقدرة الفاعلين السياسيين والاقتصاديين على ترجمة هذه التوجهات على أرض الواقع بعيدا عن المزايدات السياسية و الحزبية و تسييس البرامج التنموية .

ففي أوقات الأزمات يدرك المواطن قيمة رجل الدولة لأن الأزمات لا تُحل بالوعود السياسية او الشعارات ، بل بالقرارات الحكيمة و الواقعية التي تتطلب رؤية استراتيجية ثاقبة ونفساً طويلاً. لقد لخصت هذه الجملة جوهر الفلسفة السياسية والفرق الأخلاقي بين رجل الدولة (Statesman) و السياسي التقليدي (Politician ) هذا التمييز ليس مجرد ترف فكر سياسي ، بل هو انعكاس ملموس لكيفية إدارة الأوطان في زمن الأزمات .وكما يقال في فقه العلوم السياسية الفرق بين السياسي ورجل الدولة هو أن السياسي يفكر في الانتخابات القادمة، أما رجل الدولة فيفكر في الأجيال القادمة.


Leave A Reply

Your email address will not be published.